الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
40
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
وأوصاف القديم هذه لا تنطبق على المادة بوجه ؛ لأن المادة ناقصة تتكامل دائما وأبدا ، متعددة ، ليس لها وجود من ذاتها ، تتغير وضعا ، وفعلا ، واتصافا ، إذ يتعلق الواحد فيها بالآخر ، مما يجره إليها كل من التدافع والتجاذب ، وحينئذ فلا تكون المادة قديمة ، ومعنى ذلك أن المادة حدثت من العدم . فإن قال قائل : كيف تحدث المادة من العدم ؟ قلنا : قال بعض المحققين : دعوى أن الحدوث من العدم محال ، يقال عنها : إنها محال بنفسها ، لا بفعل قادر أزلي ، وعدم إدراكنا لذلك وكونه مما يفوق طور العقل لا ينفيه ، إذا لا يلزم من جهل الأمر نفيه ، وقد اعترف الماديون بتعذر معرفة أصل المادة ، وكم من أشياء مشهورة يعسر على الإنسان إدراك حقيقتها ، وكما أنه لا يحق لمن لا يبصر أمرا أن ينكر وجوده ، فهكذا ليس لمن لم يفهم حقيقة الخلق أن ينكر وجوده ، لا سيما وهي من غيب الغيوب ، وأبطن البطون . وقال آخر : لا يخفى أن الاعتراض يرجع إلى هذا ، وهو لا شئ يصير من لا شئ . فنقول : إن أريد به أنه لا موجود بدون موجد ، فهو صحيح إجماعا ، وأما إذا كان المراد به لا شئ ، يمكن أن يصدر من لا مادة ، ففيه تفصيل ، فبالنظر إلى الأسباب المتناهية القوى التي تشاهد في عالم الحس ، لا خلاف فيه ؛ لأن الخليفة أيا كانت لا تقدر أن تصنع من لا شئ شيئا . وأما بالنظر إلى الخالق جل وعلا ، فباطل ، إذ من شأن القوة غير المتناهية إلا تتقيد بشيء خارج عنها ، فيمكنها أن توجد الشيء من العدم البحت ، أي لا من مادة كيفما شاءت ، ومتى شاءت ، وإلا كانت متناهية محدودة ، وذلك محال عليها ، ولا يلزم من قدمه تعالى قدم المخلوقات ، إذ هو تعالى فاعل مطلق ، لا يضطره شئ ، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . أ . ه . هذا موقف العقلاء من بيان فساد مذهب الماديين في إنكارهم الخالق جل وعلا ، والبعث ، ونبوّة خاتم الأنبياء . أما موقف القرآن ، فقد ألزم كل مكلف من إنس وجن ، ذكر وأنثى ، بهذه المطالب الثلاثة ، وفي أوائل سورة البقرة بيان لها ، ففي قوله سبحانه : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] ، إيمان بالخالق وتوحيده ، وفي قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [ البقرة : 4 ] ، إيمان بنبوّة محمد والأنبياء جميعا ، عليهم الصلاة والسلام ، وفي قوله جل شأنه : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ البقرة : 4 ] ، إيمان بالبعث والمعاد .